غسان فوزى طه
26
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )
أهمية هو الجبل الذي نزحت منه العشائر الحمادية وعائلات أخرى سكنته منذ قرون ، فأقامت في كسروان وجبيل وركزت فيها سلطتها ، لكنها اندفعت باتجاه منطقة بعلبك الهرمل نتيجة الظروف السياسية غير المناسبة . فثمة ما يشبه الإجماع بين المؤرخين ، أن أسباب نزوح العشائر الحمادية من مناطق كسروان تعود إلى الظروف السياسية غير المناسبة التي تعرض لها الشيعة طيلة مراحل تاريخية متعددة ، مما يعني أن هذا النزوح لم يحصل دفعة واحدة ، بل على مراحل حيث استكملت حركة النزوح هذه في نهاية القرن الثامن عشر ، وما إن أطل القرن التاسع عشر حتى انتهت من عملية تشكلها في جرود الهرمل . وهناك عدد كبير من المؤرخين أكدوا على أن أسباب النزوح تعود إلى الحروب التي دارت في الجبل في العهد المملوكي ، حيث أورد ابن يحيى في كتابه تاريخ بيروت أن العسكر المملوكي نجح في اجتياح كسروان بعد محاولات فاشلة كثيرة ، فقتل من أهلها من قتل ونفى أو شرد قسما آخر اتجه صوب بعلبك « 1 » . ويتفق معه كمال الصليبي الذي يرى أن أسباب طردهم تعود إلى التناقض المذهبي والمواقف الشيعية المعارضة دوما للامتداد السنّي ، واتهام الآخرين لهم بتعاملهم مع الصليبيين ضد المماليك الذين انقلبوا عليهم فجرّدوا حملات على مناطقهم عام 1292 م استمرت ثلاث عشرة عاما إلى أن انهزموا وتشنّتوا في عام 1305 م « 2 » . ففي عام 1291 م جرّد الملك الأشرف خليل بن قلاوون حملة من العساكر إلى جبل كسروان لكسر شوكة العشائر الممتنعة عن قبول سلطة الدولة هناك ، وكان أهالي كسروان قد بقوا حتى ذلك الوقت خارج سطوة ملوك دمشق وحكامها . ولم تؤدّ هذه الحملات إلى سيطرة كاملة للمماليك على جرود كسروان ، فلم تمض سنوات حتى عاد أهل المنطقة إلى تحدي النظام القائم . ويعود الصليبي ليذكر أنه في عام 1305 م ، سار الأمير جمال الدين آقوش الأفرم من دمشق لقتال أهل كسروان بعد أن قدم إليها عام 1304 م الفقيه الحنبلي ابن تيمية لمفاوضتهم ، ولما لم ينجح في مهمته ، دعا إلى القضاء عليهم نهائيا فدارت معركة وأعمل فيهم السيف حتى تفرقوا في جزين وبلادها ، وبلاد بعلبك ، وبعضهم أعطوا الدولة أمانتهم « 3 » . ولم تكن المرحلة المملوكية وحدها قد شهدت حركة النزوح ، بل دفعت العوامل نفسها العديد ممن تبقى من هذه العشائر إلى ترك مناطقها والالتجاء إلى مناطق بعلبك للالتحاق بأقاربهم
--> ( 1 ) صالح بن يحيى ، تاريخ بيروت ، ورد في كتاب جعفر المهاجر ، التأسيس لتاريخ الشيعة ، ص 115 . ( 2 ) تاريخ لبنان الحديث ، مرجع سابق ، ص 16 . ( 3 ) كمال الصليبي ، منطلق تاريخ لبنان ، مرجع سابق ، ص 136 و 137 .